كيف تبقي شعب دولة كاملة في الظلام في عالم يوجد فيه إنترنت في كل مكان؟ تحدّي أساسي يأخذه نظام أو بالأحرى رئيس كوريا الشمالية على محمل الجد، كوريا الشمالية الدولة الصغيرة التي تمتلك العديد من الصواريخ النووية نجحت إلى حد كبير في احتجاز مواطنيها في الظلام حرفيًا ومجازيًا.
وسائل وأدوات مثل الإنترنت والهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والتلفزيون والسينما والإذاعة موجودة، ولكن تحت رقابة شديدة من الحكومة ويتم تعديل وبرمجة أجهزة الراديو والتلفزيون بحيث لا يتمكّن الكوريون الشماليون من الاستماع إلى أي شيء آخر غير البث المحلي، وبالتأكيد رفاهية الوصول إلى الإنترنت غير متوفّرة للجميع.
كيف إستطاع كيم جونغ أون Kim Jong-Un بالكورية (김정은) ونظامه في إبقاء مواطنيه بعيدًا عن أعين العالم؟ وما هي الأساليب التي يتخذها لتحييد سكانه عن استخدام الأدوات التقنية وإبقائهم داخل دائرة مغلقة لا مجال للخروج منها؟ تابع القراءة حتى تتعرّف على أغرب وسائل المراقبة الجماعية التي يتم تطبيقها في هذا البلد الذي لا يعرف الكثيرون عنه أي شيء تقريبًا.
السيطرة بإحكام على شبكة الإنترنت

بشكل عام البلاد ليست معزولة تمامًا عن الإنترنت العالمي، بل هي متوفرة ولكن بشكل خاص لبعض المسؤولين رفيعي المستوى والأجانب تحت قيود شديدة الإحكام، حيث تتم مراقبة كل شيء بواسطة وكالة حكومية يُدعى “Bureau 27” كما أن البنية التحتية للإنترنت بأكملها تديرها الدولة ومدمجة بشكل كبير في إدارة شبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية.
كما زادت الدولة من قدرتها التكنولوجية للسيطرة على جميع مفاصل الحياة في محاولة منها لمنع الناس من الاتصال بالعالم الخارجي من خلال استيرادها لأحدث أجهزة المراقبة والكشف ونصبها في كل ركن وكل مؤسسة في البلاد وخاصة بالقرب من الحدود الصينية، ويمكن لبعض الكوريين الشماليين الوصول إلى شبكة الإنترنت ولكنها شبكات محلية ومغلقة، والتي توفّر اتصالًا فقط بالمواقع المحلية والبريد الإلكتروني خاصةً في المؤسسات التعليمية.
اقرأ أيضًا: ما هي تقنية المعلومات
هواتف ذكية مليئة ببرامج التجسس

يسمح النظام للمواطنين بشراء الهواتف الذكية المستوردة من الصين والتي يمكن استخدامها في الدخول إلى الإنترنت المحلي للدولة، ومعظم هذه الهواتف تقع تحت فئة الهواتف الرخيصة خاصة العاملة بنظام التشغيل أندرويد، ولكن هذه الهواتف تأتي محملة مسبقًا ببرامج تجسس ومراقبة.
ويمكن للمواطنين شراء هواتف وبطاقات SIM غير خاضعة للمراقبة التي يتم تهريبها إلى داخل البلاد، وخاصة من الصين المجاورة عبر الحدود، والتي تمكن الكوريين الشماليين الذين يعيشون بالقرب من الحدود من الوصول إلى شبكات الهواتف المحمولة الصينية والتواصل مباشرة مع أشخاص خارج البلاد لكنهم في خطر دائم وقد يُقبض عليهم وتصل عقوبتهم إلى الاعتقال السياسي أو السجن من 2 إلى 5 سنوات.
ونفس الشيء ينطبق على أجهزة الكمبيوتر، حيث تقوم كوريا الشمالية بإنتاج نظام تشغيل يستند إلى نظام Linux يُسمى “Red Star” يمكنه التطفل على نشاط المستخدم. وحتى أنظمة التشغيل الأخرى التي يُسمح باستيرادها والعمل بها في المؤسسات الحكومية تمر أولًا عبر مكاتب المراقبة ويتم التعديل عليها وحذف وإضافة بعض الخصائص إليها، وأهمها برامج التجسس والمراقبة التي تسجل كل نقرة وتصفح يقوم بها المستخدم.
مراقبة المواقع التي ينظر إليها الأشخاص

جميع الهواتف في كوريا الشمالية تعمل بنظام التشغيل مفتوح المصدر أندرويد، ولكن قام المهندسون في البلاد بتعديل نظام التشغيل وإدخال برنامجًا خلفيًا يسمى “العلم الأحمر”، والذي يتجسس على كل ما يفعله المستخدم ويلتقط لقطات لشاشات هواتفهم على فترات عشوائية لمراقبة ومعرفة نشاطهم، ويتم حفظ لقطات الشاشة هذه في قاعدة بيانات تسمى “منظار التتبع Trace Viewer”.
وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية -بحسب تقارير الخبراء- ربما لا تملك الموارد اللازمة للتحقق من جميع أنشطة هواتف مواطنيها، إلا أن الجميع يلتزم بالقرارات والقوانين الصادرة خوفًا من العقاب المحتمل.
اقرأ أيضًا: مدونات تقنية عالمية يعود تاريخها لسنوات طويلة، جولة ممتعة بين أشهر المدونات الرقمية العالمية وأقدمها
لا يمكنك مشاهدة المحتوى الأجنبي

أنشأ مهندسو كوريا الشمالية برنامجًا لوضع علامات مائية على الملفات والذي يقوم بشكل أساسي بوضع علامات على أي ملف وسائط مفتوح على جهاز ما، سواء كان جهاز كمبيوتر شخصي أو محمول او تلفزيون لذلك إذا قام شخص ما على وجه الخصوص بتوزيع الكثير من المحتوى الأجنبي المخالف ومشاركته مع مواطنين آخرين، فمن المحتمل أن يكتشف النظام ذلك.
شبكة اتصالات خاصة

كوريا الشمالية لديها شبكة اتصالات خاصة بها، حيث تم تقسيم شبكة الهاتف المحمول إلى نصفين، واحدة للمواطنين داخل البلاد والأخرى للأجانب والسياح الذين يمكنهم إجراء المكالمات وإرسال الرسائل داخل، وبالتالي إمكانية التواصل بينهما منعدمة وهذا الأمر يشبه نوعًا من “جدار حماية” للهواتف المحمولة، حيث يتم تعيينها على مستوى الحساب فالمواطنون المحليون يمتلكون أرقام هواتف مسبوقة بـ 191-260، في حين أن أرقام الهواتف للأجانب تبدأ بـ 191-250.
جميع أجهزة الراديو مبرمجة على الترددات الحكومية

سيجد الكوريون الشماليون الذين يشترون أجهزة الراديو عبر القنوات الرسمية أن الجهاز مبرمج فقط على الترددات المعتمدة من الحكومة، الاستماع إلى إذاعات الراديو الأجنبية أو مشاهدة قنوات التلفزيون الأجنبية غير قانوني، وتصل عقوبة ذلك في بعض الأحيان للإعدام وتقوم الحكومة بانتظام بحملات تفتيش للتأكد من أن الناس لا يستهلكون أي محتوى أجنبي.
كما أن للنظام الكوري الشمالي أجهزة تشويش على إشارات الراديو الأجنبية والذي ينطوي على “نقل ضوضاء عالية” على نفس الترددات للتغلب على البث وعلى وجه الخصوص تركّز كوريا الشمالية على التشويش على محطتين تديرهما المخابرات الكورية الجنوبية، وتدعى هذه المحطات صوت الشعب وصدى الأمل.
بدائل للألعاب الإلكترونية العالمية الشهيرة

في عالم مليء بألعاب إلكترونية على كل شاشة وهاتف ذكي، ولاعبين من كل الأعمار ودول العالم نجد أن لدى الكوريين الشماليين شغف خاص بألعاب الهواتف المحمولة والتي يتم الحصول عليها بطرق غير مشروعة، ولكن توصّل النظام إلى طريقة اعتبروها رائعة لإلهاء المواطنين وهي تقديم ألعاب هواتف ذكية محلية.
فهناك ما يصل إلى 125 لعبة محمولة متاحة للعب على الهواتف الذكية، مثل “Volleyball 2016” ولعبة أخرى تسمى “مدن المستقبل” حتى أنها تمكّنت من صنع لعبة خاصة باللاعب كريستيانو رونالدو والتي أصبحت لها شعبية كبيرة وسط اللاعبين. والفكرة الأساسية من هذه الجهود هي: إذا كان المواطنون يقضون أوقات فراغهم في لعب الألعاب المنتجة محليًا (ودفع ثمنها)، فلن ينفقوا أموالهم على الألعاب الأجنبية التي يتم إيصالها لهم بطريقة غير مشروعة.
حظر شبكات WiFi
لقد ذهبت كوريا الشمالية إلى أبعد من ذلك وقامت كوريا الشمالية بحظر شبكات WiFi المفتوحة بشكل نهائي وقدّمت بديلًا لهذه الشبكات شبكتها العامة المسماة “Mirae” والتي تتطلّب تطبيقًا خاصًا لاستخدامها، وبالتالي للوصول للشبكة العالمية أو المحلية باستخدام الواي فاي عليك تثبيت هذا التطبيق أولًا.
التحكم في خدمات البث التلفزيوني

بطبيعة الحال ليس لدى كوريا الشمالية شبكة البث Netflix أو أمازون برايم أو غيرها من شبكات البث على الإنترنت، ولكنها مثلها مثل باقي دول العالم تجتهد بقوة لتوفير المحتوى المرئي الترفيهي عبر الإنترنت.
ولأجل ذلك لديها نوعان من خدمات IPTV المحلية، لكن الخدمة الأكثر شعبية تسمى Manbang وتمامًا مثل الهواتف تم تصميم الجهاز بشكل خاص لتوافق التوجهات العامّة ويمكن للأشخاص الذين يمتلكون جهاز Manbang بث كمية هائلة من المحتوى المحلي، لكن لا يمكنهم بث المحتويات الأجنبية مطلقًا، وبهذه الطريقة استطاعت كوريا الشمالية حظر البث التقليدي تمامًا وبث المحتوى من خلال IPTV فقط، وهذا جعل وصول المواطنين للمحتوى الأجنبي يزداد صعوبة وأصبح شبه مستحيل.
